ابراهيم رفعت باشا
90
مرآة الحرمين
الفيل ما قص اللّه علينا ؛ ولذلك سمى ذلك الوادي وادى محسر لأن الفيل حسر فيه أي أعيى وانقطع عن الذهاب وكذلك فعل في سلوكه الحجر وديار ثمود فإنه تقنع بثوبه وأسرع السير ، و « محسر » برزخ بين منى وبين مزدلفة لا من هذه ولا من هذه و « عرنة » برزخ بين عرفة والمشعر الحرام فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما ، فمنى من الحرم وهي مشعر ، ومحسّر من الحرم وليس بمشعر ، ومزدلفة : حرم ومشعر ، وعرنة ليست مشعرا ولا حرما ، وعرفة : حل ومشعر . وسلك صلى اللّه عليه وسلم الطريق الوسطى بين الطريقين وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى منى فأتى جمرة « 1 » العقبة فوقف في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه واستقبل الجمرة وهو على راحلته فرماها راكبا بعد طلوع الشمس واحدة بعد واحدة يكبرمع كل حصاة ، وحينئذ قطع التلبية ، وكان في مسيره ذلك يلبى حتى شرع في الرمي ، ورمى وبلال وأسامة معه أحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر يظله بثوب من الحرّ ، وفي هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه إن كانت قصة هذا الإظلال في يوم النحر ثابتة وان كانت بعده في أيام منى فلا حجة فيها وليس في الحديث بيان أي زمن كانت واللّه أعلم . ثم رجع إلى منى فخطب الناس خطبة بليغة أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه وفضله عند اللّه وحرمة مكة على جميع البلاد وأمر بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب اللّه وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه وقال : لعلى لا أحج بعد عامي هذا وعلمهم مناسكهم وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم وأمر الناس أن لا يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض وأمر بالتبليغ عنه ، وأخبر أنه رب مبلّغ أوعى من سامع وقال في خطبته : لا يجنى جان إلا على نفسه وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة والأنصار عن يسارها والناس حولهم وفتح اللّه له أسماع الناس حتى سمعها أهل منى في منازلهم وقال في خطبته تلك : اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم ، وودّع حينئذ الناس
--> ( 1 ) جمرة العقبة أقرب الجمار إلى مكة وهي الآن حائط من الحجر ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار في عرض مترين وتليها الجمرة الوسطى فالأولى .